محمد الريشهري

428

حكم النبي الأعظم ( ص )

لأنّه استطاع أن يقاوم رغباته الطبيعيّة وميوله القلبيّة ، وتلك فضيلة لا تُباهى ومكرمة لا تُضاهى ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : ما أحسَنَ بِالإِنسانِ أن يَصبِرَ عَمّا يَشتَهي . « 1 » ولمّا قال له رجلٌ : عظني يا أمير المؤمنين ، قال عليه السلام : اترُك لِما تَبقى ما تَشتَهي أبَدا * كَفى بِمَن عَفَّ عَمّا يَشتَهي كَرَما « 2 » لكن يجب الانتباه إلى أنّ مثل هذا الإنسان يمتنع عن رغباته بفضيلة الصبر وليس بفضيلة الزهد ؛ لأنّ الزهد درجة أعلى من الصبر ، إنّ الزهد عبارة عن غلبة عدم الرغبة القلبيّة في اللذائذ الضارّة على القلب بحيث تقع الرغبة الطبيعيّة تحت سيطرته ، فحينئذٍ لا يحتاج الزاهد في امتناعه عن اللذائذ الضارّة إلى الصبر والمقاومة ؛ لأنّه لا يشعر في وجوده بميل إليها ، ويشير أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذه الفضيلة العظمى بقوله : ما أحسَنَ بِالإِنسانِ ألّا يَشتَهِيَ ما لا يَنبَغي . « 3 » وحينما يصل الإنسان إلى هذه المرتبة العالية فإنّه يصبح زاهدا ، ولا يبالي بإقبال الدنيا أو إدبارها ، فلا يفرح بإقبالها ولا يحزن على إدبارها ، يقول أمير المؤمنين عليه السلام في بيان صفة الزهد : الزُّهدُ كُلُّهُ بَينَ كَلِمَتَينِ مِنَ القُرآنِ ، قالَ اللّهُ سُبحانَهُ : " لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ " . « 4 » وما قدّمناه في بيان الزهد وفرقه عن الصبر ، تجد خلاصته في قول

--> ( 1 ) غرر الحكم : ح 9648 ، عيون الحكم والمواعظ : 479 . ( 2 ) شرح الأخبار : ج 2 ص 382 ح 741 . ( 3 ) غرر الحكم : ح 9649 ، عيون الحكم والمواعظ : ص 479 ح 8806 وفيه " أجمل " بدل " أحسن " . ( 4 ) راجع : الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة : ( القسم الثالث / الفصل الأوّل : تعريف الزهد وتحريفه : ح 803 ) .